متخلفون .. متخلفون
بقلم: عبد القادر مختار
بلغ التخلف السلوكي والفكري والأخلاقي لدي المصريين درجة لا تكاد تصدق، درجة تثير الغثيان، وآية ذلك ما شاهدناه من مناقشات محمومة وغبية حول مشروع قانون حماية الطفل. نواب محترمون يفترض أنهم يمثلون \"الشريعة\" أو \"الدين \" يعترضون بشدة على تشديد العقوبات على ختان الإناث، على أساس أن ذلك \"يصطدم بأحكام الشريعة الإسلامية ويخالف تقاليد المجتمع والدستور\"، وذلك رغم أن السعودية أرض كنانة الإسلاميين ليس بها ختان إناث، ولا سوريا، ولا كثير من الدول الإسلامية الأخرى، وكأن الشريعة الإسلامية تحرص على قطع عضو من أعضاء الأنثى دون وجه حق رغم عدم وجود أي نص على ذلك ورغم موافقة الأزهر على مشروع القانون كما قيل لنا. كذلك يعترض أهل الصلاح والتقوى على فقرات القانون الواردة بخصوص حماية الطفل بناء على نفس الأسس، أي التعارض مع الشريعة الإسلامية والتقاليد والدستور. وكأن الشريعة الإسلامية والتقاليد والدستور كلها تسمح بممارسة العنف ضد الأطفال دون حدود، وتبارك أن يكون الطفل ملكية مطلقة لأبويه كما هو معمول به حاليا، وبعقابه وتعمد إيذائه في المنازل والمدارس وورش النجارة والحدادة وغيرها من ورش الحرف والصنائع، حيث تجري معاقبة الأطفال بقسوة لا حدود لها، ثم نتباكى على أن الأجيال الجديدة تعاني من الانحرافات والتشوهات النفسية واللامبالاة الخ. أهل الصلاح والتقوى بمجلس الشعب يعترضون على \"تقنين\" العنف والقسوة ضد الأطفال، على أساس أن من حق المعلم ومن حق الأهل معاقبة الطفل الضعيف الذي يتطلع أصلا إلى البالغ القوي للحماية والأمان، بالضرب والسب والإهانة دون أي حساب أو حدود أو مساءلة. ومن المعروف أن هناك الكثير من البلاغات التي تصل إلى الشرطة وشرطة النجدة بأعمال تشي بمنتهى القسوة من الآباء ضد أطفالهم، وليس الحديث هنا عن مجرد الضرب على يد الصغير بعصا قصيرة أو صفعه مرة أو مرتين، بل الحديث عن التمادي في العقاب إلى درجة الإيذاء البدني والنفسي العنيف والذي غالبا ما يصل إلى حد التشويه لهذه الكيانات الغضة التي نعتبرها \"أمل المستقبل\"، فنضمن بذلك أن ننتج رجالا ونساء للمستقبل وقد حفرت في قلوبهم مشاعر عميقة بالارتباك والإهانة والظلم والعجز، ونطالب في الوقت نفسه بالتقدم والحرية والديمقراطية ! أصحاب الصلاح والتقوى يريدون الاستمرار في تقاليد العصور الوسطى التي تعتبر الطفل ملكا لأبويه لا يحق للقانون أن يتدخل فيه ما لم تكن هناك جريمة قتل، والطفل أيضا ملك لمعلم الورشة ومعلم المدرسة، والطفل الذي يعمل خادما في منزل هو ملك أيضا لسيد المنزل وسيدته . في شهر مارس الماضي نما إلى علمي أن تحقيقا يجري في أحد أقسام الشرطة بمدينة نصر، حيث قام مدرس التربية الدينية (وأضع تحت التربية الدينية خطان) في إحدى المدارس الأزهرية بمعاقبة طفل في السنة الثالثة الإبتدائية جزاء \"تباطؤ الطفل في إخراج المصحف من الدرج وعدم قيامه بتربيع يديه في الوقت المناسب\" . لقد قام مدرس التربية الدينية الهمام، وهو من النوع الذي يتدلي ذقنه مسافة ربع متر تحت الفك، بإصدار الأمر إلى أربعة أطفال بتكتيف الطفل المقصود عن طريق شد يديه ورجليه، ثم انهال على قدميه بالعصى. ولابد أن الضرب كان وحشيا واستمر لفترة طويلة، فلفرط الرعب أثناء الضرب تفجرت شرايين حول عيني الطفل فتكونت حولهما حلقات قرمزية نتيجة حدوث نزيف داخلي ( وعرف فيما بعد أن الأطفال الأربعة الآخرين قد أصيبوا بشيئ من الذهول). وحين رأى معلم التربية الدينية الهمام الحلقات القرمزية نظر إلى الطفل: \"أحسن، عشان تبقى تربع إيديك\". ولما عاد الطفل إلى المنزل أصيبت والدته بحالة هستريا وسارع أبوه بالتقاط صورة بالموبايل للإصابة (لم يمكن الاستفادة منها لأنها كانت مهزوزة) ثم اصطحبه معه إلى قسم الشرطة لتسجيل الواقعة، وجرى التحقيق. هذا هو مدرس التربية الدينية الذي يفترض أن يدرس لهذه النفوس الغضة سماحة الإسلام وكيف أن النبي الكريم قد حدث صحابته عن المرأة التي دخلت النار لأنها لم ترحم قطة فلا هي أطعمتها ولا تركتها تسعى لرزقها، مدرس التربية الدينية الذي يغرس في نفوس تلاميذه معنى الكرامة والاعتزاز بالذات، ويحدثهم عن العدل في الإسلام وعن أن الله رحمن رحيم. ولا يسع المرء إلا أن يتساءل عن نوع ناظر هذه المدرسة، فلا يمكن أن يقوم مدرس التربية الدينية بما قام به إلا إذا كانت مثل هذه الممارسات معمولا بها على نطاق واسع بهذه المدرسة الأزهرية وبعلم الناظر، فلن يجرؤ المدرس على ان يفعل شيئا غير معتاد أو يمكن أن يثير سخط الناظر. لو أصبح هذا الطفل – وأمثاله هم أغلبية أطفالنا في مصر – ضابط شرطة، فما ذا يمكن أن نتوقع منه؟؟ وكيف يعامل الجمهور؟؟ فهل لنا بعد معاملة أطفالنا بهذا الشكل وبهذه الأخلاق المنحطة أن نشكو من قصص التعذيب التي نسمع عنها في أقسام الشرطة على يد أمناء الشرطة والضباط؟ وإذا كان هذا هو ما يحدث في مدرسة بمدينة نصر بالقاهرة، فما بالك بما يحدث في أحياء \"الغلابي والمساكين\" وفي القرى والنجوع؟ ألم نسمع قصصا بين الحين والآخر عن المدرس الذي كسر ذراع تلميذ أو عن الصفعة على الوجه التي أدت إلى تمزيق طبلة الأذن؟ وإذا كنا نعود أطفالنا منذ نعومة أظفارهم على أن \"ولي الأمر\" لا يخضع للمساءلة (وكأنه إله صغير تحميه الشريعة التي يفترض في نفس الوقت أنها تحارب عبادة الأوثان) فكيف لنا أن نأمل في شعب يسائل حكامه وأولي الأمر فيه؟! إذا كنا نعودهم على أن \"رغبات الكبير أوامر\" فكيف نأمل في ديمقراطية حقيقية؟ ولولا أن والد الطفل لم يصرح لي بنشر اسم المدرسة والمدرس والناظر لقمت بذلك، لكن أيا كان الأمر فهذا هو الحال في بلدنا الحبيب، فأين النواب المحترمون من مثل هذه الممارسات الحقيرة (وفي مدرسة أزهرية !!)، وهل هذه هي الشريعة؟ وأين هؤلاء المحترمون الغيورون على الشريعة من استغلال الأطفال في أشغال شاقة منذ نعومة أظفارهم ؟ تشغيلهم خدما في المنازل وصبيانا في ورش النجارة والحدادة وفي الشحاذة والتسول، بل والسرقة؟؟ ثم نسمع شيخا معمما يقول على شاشات إحدى الفضائيات بمنتهي الوقاحة أن حماية الطفل من العنف الأسري أمر ضد التقاليد الإسلامية، وكأن التقاليد الإسلامية لا يمكن أن تزدهر إلا بالقوة والقسوة والبطش والغباء، ثم نتهم الآخرين في الشرق والغرب من غير المسلمين بأنهم \"لا يفهمون سماحة هذا الدين\" !! سيرد هؤلاء المتخلفون علينا بأن الحالات المذكورة \"حالات شاذة\" وتمارسها \"قلة منحرفة\" في المجتمع، وأن الوازع في الرفق بالأطفال هو \"خشية الله\" ، وأنه \"لا يمكن أن يكون القانون أحن على الإبن من الوالد\"، وأن \"من علمني حرفا صرت له عبدا\" ، وما إلى ذلك من أحاديث النفايات ومزابل التاريخ التي لا يزال متخلفونا يتعيشون عليها وينفثونها سموما في عقول وقلوب هذا الشعب الطيب. لا بد من حماية الطفل بالقانون لكي تكون هناك آليات للمساءلة، لا أن نترك الأمر لمجرد \"الوازع الديني أو الضمير الشخصي\"، فهذا فرق بين التخلف والتقدم. المتخلفون لا يزالوا ينظمون مجتمعاتهم على أساس الوازع والنوازع والمتقدمون ينظمون مجتمعاتهم على أساس المساءلة التي لا يعفى منها كبير أو صغير. في ربيع العام الماضي كنت أخرج من أحد المصارف في واشنطن فرأيت رجلي شرطة يقفان أمام سيارة في موقف السيارات الخاص بالمصرف يحرران مخالفة لصاحبة السيارة، التي ما أن خرجت حتى تقدما إليها ووجها إليها بأدب تهمة تعذيب حيوان، والسبب أن السيدة قد تركت كلبها في السيارة معرضا لأشعة الشمس في شهر ابريل لمدة دقائق، ويعتبر هذا \"ممارسة للقسوة ضد الحيوان\". ترك حيوان في أمريكا معرضا لأشعة الشمس لمدة دقائق هو قسوة يسائل عليها القانون ويفرض عليها غرامة بسيطة، أما لو أبلغ أحد الجيران عن أن جارا يضرب كلبا أو قطة ضربا مبرحا فيكون في الأمر محاكمة. هذا هو القانون في أمريكا، البلد المنحل الكافر المؤيد لإسرائيل المحتقر لكل ما هو عريي وإن تظاهر بغير ذلك، أما نحن أهل الروحانيات والتقوى والورع فنقطع جزءا من الأعضاء التناسلية لفتاة ونضرب طفلا على يديه وقدميه دون أي مساءلة قانونية برهانا على تميزنا عن الغرب المنحل وعلى عظمة تقاليدنا و تقدمنا ورقينا الأخلاقي، مع التحجج دائما بالدين وبشريعة الدين. إن من يسيئ إلى هذا الدين الحنيف هم هؤلاء المتخلفون الذين نصبوا أنفسهم حراسا عليه، من النواب وعلماء الدين الذين توقفت عقولهم عند عصر المماليك. إنه الدرك الأسفل من الانحطاط الأخلاقي أن نقاوم باسم الدين حماية الطفل ضد العنف وحماية المرأة من بربرية الختان، والدين من كل هذا براء. أيها المتخلفون: أنتم حقيقة عبدة الأصنام الجدد، تعبدون أصنام السلف كما عبد المشركون اللات والعزى، إغربوا عن وجوهنا وإذهبوا بتخلفكم إلى الجحيم، سيلفظكم التاريخ ويدوس عليكم الشعب يوما ما، فيوم الحساب أت لا ريب فيه.
كتبها سامي حرك في 10:39 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: سامي حرك
