ما الحاجة لذكر مصادر التشريع في الدستور؟ وهي اللصيقة بحياة وخبرة الشعوب عامة , والمشرعين منهم خاصة!
أبدأ بنتيجة سريعة للمقال , ملخصها أنه في الجدل الخاص بالمادة الثانية من الإعلان الدستوري الحالي , نقلاً عن الدستور الساقط , أرى أن مصادر التشريع متعددة متغيرة متطورة , ويجب أن تبقى كذلك , يرصد معالمها الفقه الدستوري , ويستمر باب التجديد والإضافة فيها مفتوحاً على الدوام للباحثين والكتاب والقادة والمشرعين , بحيث تصبح مصالح الوطن ومرجعية أغلبية المواطنين , بما فيهم أعضاء البرلمان , هي الحاسمة في تفضيل مصدر عن مصدر آخر حال طرح ذلك في البرلمان , أو للإستفتاء العام!
وبالتالي أرى أن النص في الدستور على إسم "مصدر" أو "المصدر" الرئيسي للتشريع , هو قيد , لا يحقق النتيجة المرجوة من النص , وهي المصلحة , كأن تحدد للقارئ جريدة واحدة كمصدر للمعلومات , مع وجود مئات الصحف وألاف المصادر!
مصادر التشريع منها خبرة الشعب , بل التجربة البشرية كلها , ومنها ما يعرفها الفقه الدستوري كمبادئ العدالة , والقانون الطبيعي , والعهود والمواثيق الدولية , والأديان , والعادات والتقاليد , والعرف الإجتماعي , ومنها الخبرة الذاتية والإجتهاد الشخصي للمشرع , كلما عرض أمر قانون أو تشريع جديد , فلماذا نحرم المشرع من كل ذلك؟ ونقيده بواحد منها فقط؟ مهما كان شديد الأهمية والإحترام والتأثير , فإن ذلك بالضرورة موجود وحاضر بشكل طبيعي مع المشرع , ولا حاجة للنص عليه!
ليست القضية إذن في كفاية ألفاظ النص , بل في وجود النص ذاته ! وهل ذلك التواجد , يضيف أم يخصم؟
وهل لذلك النص مثال في دساتير العالم , أم أنه –كالعادة- إختراع خاص بنا , ليكون : خميرة عكننة؟
لأني متأكد إن لا الدستور الأمريكي ولا الدستور الفرنسي –مثلا- فيه حكاية مصادر التشريع دي!
كانت هذه هي المقدمة , وإليكم بعض التفاصيل :
بإعتبار عملي في صياغة العقود , وقد مررت بخبرة كتابة ودراسة العشرات من العقود الهامة , المحلية والدولية , حال عملي كمستشار قانوني لمجموعة إستثمارية دولية لإثني عشر سنة , ولمجموعة سياحية مصرية لعشر سنوات , إضافة لألاف العقود المتكررة من مختلف أنواع التصرفات , لأشخاص طبيعيين وإعتباريين.
تبدأ العقود بتمهيد أو مقدمة , تذكر بيانات طرفي التعاقد , والحاجة المنشأة للعقد , وتنتهي بالتأكيد على تصميم كل طرف وأهليته للدخول في العملية التعاقدية , لتتوالى بعد ذلك بنود الإتفاق التعاقدي.
الثمن في العقد قد يكون نقود أو أوراق ماليةً , وقد يكون بدل عيني , لاااكن , لا أحد يكتب في العقد مصادر المال , إن كانت عن ميراث أو مجهود ومدخرات أو متحصلة عن جريمة , فلا توجد ضرورة أو مبرر إيجابي لذكر مصادر المال المدفوع ثمناً للعقد , أي عقد!!!
بل إن ذكر مصادر المال قد يأتي بنتيجة سلبية , ويمنع الإتفاق أو على أقل تقدير يلحق التوتر بمجلس العقد!
إن كان أحد طرفي العقد مهتم بمعرفة مصادر المال , بحيث أن نوعها أو مشروعيتها يمكن ان تؤثر في قرار التعاقد , فإنه يفعل ذلك قبل مجلس العقد , ربما في المفاوضات , أما وقد جلس للتعاقد فلا كلام إلا عن الموضوع , موضوع العقد!
وعلى هذا يمكن ضرب مئات الأمثلة :
· في عقد صيانة سيارة , لا حاجة لذكر مصادر خبرة فني الصيانة , إن كانت ناشئة عن دراسة أم من خبرة سابقة!
· في عقد توريد موبيليا , لا يهم إن كان الأسطى الإسطورجي قد إكتسب موهبته بالميلاد في إسنا أم سنورس , أو من المناسرة أم دمياط!
· في عقد شراء لاعب كرة , لا يوجد أي نص يتناول مصادر وسبب موهبة اللاعب , وراثية أم مكتسبة؟ فلا أتصور أن عقد بركات مع النادي الأهلي وشيكابالا مع نادي الزمالك , تناول مصدر المهارة!
· في عقد توكيل محامي , يكفي ذكر رقم ودرجة القيد بنقابة المحامين , وخبرته في نوع القضايا الموكلة , أما غير ذلك من الخلفيات الشخصية والثقافية فيتقصاها المتعاقد ويبني عليها قراره وثقته في جدارة وأهلية المحامي قبل دخول مكتبه , بل قبل توقيعه لعقد الوكالة!
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ